عبد الملك الجويني
161
نهاية المطلب في دراية المذهب
كان ذلك كذلك ، فلا وجه فيها إلا الاتباعُ ، وقد أوضحنا أن فحوى القرآن يقتضي في هذه الآية ألاّ يكتفى بالأشهر ، فإذا سَلّم من يخالف في ذلك انقطاعَ الحيض بعلّة ، فكل شابّة ترتفع حيضتها لا ترتفع إلا بعلة ؛ فإنها بخروجها عن [ اعتدال ] ( 1 ) البِنْية تتقاعد ( 2 ) . ولما لم يكن استئخار الحيض عن البلوغ معتبراً ، وكانت ملتحقة بالصبيّة ، لم يفرق بين أن يكون ذلك لعلة ظاهرة وبين أن يكون لأمرٍ خافٍ ، تعويلاً على قوله تعالى : { وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } [ الطلاق : 4 ] . 9783 - هذا بيان الأقوال في الأصل ، ونحن نفرع عليها ، فنقول : إن رأينا أن نأمرها بالتربص تسعة أشهر والاعتدادِ بعدها بثلاثة أشهر ، فلو أنها رأت الدمَ في خلال مدة التربص بالأشهر التسعة ، فإنها تنتقل إلى الأقراء ؛ فإن هذه المدة ضربت لانتظار الحيض ، فإذا عاد ، فهو المقصود ، ثم إن استمرت الأقراء بها ، فذاك ، وإن انقطعت ، وارتفع الحيض ، فقد أجمع المفرعون على أنا نأمرها بأن تستفتح التربصَ تسعةَ أشهر أخرى ، ثم تعتد بعد هذه التسعة الأشهر بثلاثة أشهر ؛ وسبب ذلك أن الأشهر التسعة مقصودُها طلبُ الحيض ؛ فإذا رأت الدم ، فهو الأصل ، فإذا ارتفع ، احتجنا بعده إلى طلبٍ جديد ، وانتظارٍ مبتدأ ، هذا إذا رأت الدمَ في أثناء التسعة الأشهر . فأما إذا انقضت التسعةُ ، وشرعت في الاعتداد بالأشهر ، فمضى شهر مثلاً ، فرأت الدم ، ردّت إلى الدم ، فإن استمرت الأقراء ، فذاك ، وإن ارتفع الحيض أطلق المفرعون إيجاب التربّص على الابتداء تسعةَ أشهر ، لِما بنينا عليه الكلامَ من أن الحيض مطلوبٌ ، وسبيل طلبه وانتظارِه في هذا القول ما ذكرناه . وهذا ينتظم بسؤال وجواب عنه : فإن قيل كانت التسعةُ الأشهر لاستفادة غلبة الظن في براءة الرحم ؛ فإنّ الحمل لو كان ، لظهر في هذه المدة ، فإذا حاضت ، فالعود إلى
--> ( 1 ) في الأصل : " اعتداد " . وهو تصحيف يسير في شكله ، ولكنه عنّانا كثيراً في فهم العبارة ، وتقليبها على وجوه عدة ، إلى أن ألهمنا الله سبحانه موضع هذا الخلل . ( 2 ) تتقاعد : أي عن الحيض .